محمد حسين هيكل
294
حياة محمد ( ص )
طلب الإعفاء من الصلاة ورفضه وطلبت ثقيف إعفاءها من الصلاة ؛ فرفض محمد قائلا : إنه لا خير في دين لا صلاة فيه . ونزل الثقفيون عن بقاء اللات وقبلوا الإسلام وإقامة الصلاة . لكنهم طلبوا ألا يكسروا أوثانهم بأيديهم . إنهم حديثو عهد بإيمان ، وقومهم ما يزالون في انتظارهم ليروا ما صنعوا ، فليجنبهم محمد تحطيم ما كانوا يعبدون وما كان يعبد آباؤهم . ولم ير محمد أن يشتد في هذه ، فسيّان أن يكسر الثقفيون الصنم وأن يكسره غيرهم ؛ فهو سيهدم ، وستقوم في ثقيف عبادة اللّه وحده . قال عليه السلام : أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه ، ثم أمّر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان من أحدثهم سنّا . أمّره عليهم على حداثة سنّه ؛ لأنه كان أحرصهم على الفقه في الإسلام وتعلم القرآن ، بشهادة أبي بكر والسابقين إلى الإسلام . وأقام القوم مع محمد ما بقي من رمضان ، وصاموا وإياه وهو يبعث لهم بفطورهم وسحورهم . فلما آن لهم أن ينصرفوا إلى قومهم أوصى محمد عثمان بن أبي العاص قائلا : « تجاوز في الصلاة وأقدر الناس بأضعفهم ، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة » . هدم اللات وعاد القوم إلى بلادهم ، فوجّه النبيّ معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ، وكانت لهما بثقيف مودّة وحرمة ، ليقوما بهدم اللات . وقدم أبو سفيان والمغيرة لهدم الصنم ، فهدمه المغيرة ونساء ثقيف حسّرا يبكين ، ولا يجرؤ أحد أن يقترب منه بعد الذي كان من اتفاق وفد ثقيف والنبيّ على هدمه . وأخذ المغيرة مال اللات وحليها فقضى منه ، بأمر الرسول وبالاتفاق مع أبي سفيان ، دينا كان على عروة والأسود . وبهدم اللات وبإسلام الطائف كانت الحجاز كلها قد أسلمت ، وكانت سطوة محمد قد امتدّت من بلاد الروم في الشمال إلى بلاد اليمن وحضرموت في الجنوب . وكانت هذه البلاد الباقية في جنوب شبه الجزيرة تتهيأ كلها لتنضمّ إلى الدين الجديد ، ولتقف على الدفاع عنه وعن وطنها كل قوّتها . وكانت وفودها تسير لذلك من جهات مختلفة ، قاصدة كلها إلى المدينة لتعلن الطاعة ولتدين بالإسلام . بينما كانت الوفود تقبل تترى إلى المدينة ، كانت الأشهر يتلو أحدها الآخر حتى اقترب موعد الحج ، ولم يكن النبيّ عليه السلام أدّى الفريضة على تمامها يومئذ كما يؤديها المسلمون اليوم ، أفتراه يخرج في عامه هذا شكرا للّه على ما نصره على الروم ، وما أدخل الطائف في حظيرة الإسلام ، وما جعل الوفود تجيء إليه من كل فج عميق ؟ إن شبه الجزيرة ما يزال بها من لم يؤمن باللّه ورسوله ، ما يزال بها الكفّار وما يزال بها اليهود والنّصارى . والكفار على عهدهم في الجاهليّة ما يزالون يحجون إلى الكعبة في الأشهر الحرم . والكفار نجس . فليبق إذا بالمدينة حتى يتم اللّه كلمته وحتى يأذن اللّه له بالحج إلى بيته ، وليخرج أبو بكر في الناس حاجّا . حج أبي بكر بالناس ومنع المشركين من الحج وخرج أبو بكر في ثلاثمائة مسلم قاصدا إلى مكة . ولكن العام قد يتلو العام والمشركون ما يزالون يحجون بيت اللّه الحرام . أليس بين محمد وبين الناس عهد عامّ ألا يصدّ عن البيت أحد جاءه ، ولا يخاف أحد في الأشهر الحرم ؟ ! أليست بينه وبين قبائل من العرب عهود إلى آجال مسمّاة ؟ ! . فما دامت هذه العهود فسيظل بيت اللّه يحج إليه من يشرك باللّه ومن يعبد غير اللّه ، وسيظل المسلمون يرون عبادة الجاهليّة تؤدي بأعينهم حول الكعبة وهم بحكم هذه العهود الخاصّة وهذا العهد العام لأقبل لهم بصدّ أحد عن حجّه وعبادته . وإذا كانت الأصنام التي يعبد العرب قد حطم الكثير منها وحطم منها كل ما كان في الكعبة أو حولها ، فإن هذا الاجتماع في